رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
286
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
والأحرى إلى أن يرتفع الشبهة ويتّضح الحقّ ، والاقتحام فيها يورث التجاسر في الدِّين ، وظلمة القلب ، وقلّة الرغبة في العبادة وعدم الحضور فيها ، ونسيان اللَّه الذي ينبثق منه كلّ شرّ ؛ نعوذ باللَّه منه . ولست أقول : إنّ الشبهة لمّا كانت محتملة للحرام ، والحرام - بناءً على قاعدة الحسن والقبح العقليّين - إنّما حرّم لأمر ذاتيّ أو عرضيّ ، وهو لا يزول بالجهل بالحرمة ، فإذا اتّفق أن يكون الشبهة حراماً في الواقع ترتّب أثره ، وإن كان ارتكابها مع الجهل بأنّها حرام في الواقع ، كالسكر والهزال وسوء المزاج المترتّب على شرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير ، سواء اكل وشرب بعلم أو بجهل . غاية الأمر أنّه مع الجهل وعدم التقصير غير مُعاقب . وهذا فاسد إن اخذ على الوجه الكلّي ؛ إذ قد يكون الشيء طيّباً في نفس الأمر ، وإنّما حرّم على جماعة تعذيباً لهم على ظلمٍ صَدَرَ منهم ، كما قال تعالى : « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ » « 1 » ، وربّ حرامٍ يورث أثراً مذموماً مع التعمّد ، دون الجهل ، كلبس سيف بزعم أنّ حليته من صُفر وفي الواقع كانت من ذهب ، وكذا الحال في الأكل والشرب في الأواني الذهبيّة باعتقاد أنّها صفر ، إلى غير ذلك من الأمثلة . وليس كلّ محرّم لها آثار طبيعيّة لا تتخلّف بالارتكاب من غير تعمّد ، وهذا القول يُفضي إلى أنّ من كان في الدرجة العليا من الورع والتقوى وكان معاشه من حرفة طيّبة لها نفع جليل في النظام الكلّي ، كصنعة أدوات الزراعة مثلًا ، ولازم بيته وصنع شيئاً من تلك الأدوات وأرسلها إلى السوق ، فاشتراه زارع ، وكان ثمنه من قيمة طعام حصّله في ملكه الموروث من أبيه ، وكان أبوه قد ملكه بوجه غير مشروع ، ولم يطّلع على ذلك أحد ، وكان قد أكل المتورّع من كسبه وقنع بقليلٍ من الدنيا ، ترتّب عليه آثار ارتكاب الشبهة من ظلمة القلب وغيره ؛ نعوذ باللَّه من تلك العقيدة ؛ إذ تهوي بصاحبها من ذروة الجبل . وكذا الكلام فيما اشتهر بين جماعة من أمر الطهارة اليقينيّة ، ثبّتنا اللَّه وجميع إخواننا المؤمنين على الدِّين القويم والصراط المستقيم .
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 160 .